تدخل دار تيفاني آند كو مرحلة جديدة من مسيرتها، عنوانها إعادة التوازن والنمو الذكي، في ظل تحوّلات عميقة يشهدها قطاع المجوهرات الفاخرة عالمياً. ويأتي تعيين روبن لانغليه مديراً إدارياً لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، في 5 يناير، ليشكّل أكثر من مجرد خطوة إدارية، بل جزءاً من رؤية شاملة تجمع بين التوسّع الجغرافي، تعزيز الصورة الذهنية، وترسيخ الحضور الثقافي للعلامة.
منذ استحواذ مجموعة LVMH على تيفاني عام 2021 مقابل نحو 16 مليار دولار، سلكت الدار مساراً متدرّجاً لإعادة التموضع داخل قطاع الساعات والمجوهرات. ورغم النتائج المتباينة في المراحل الأولى، باتت تيفاني اليوم أحد أبرز محرّكات النمو في هذا القسم، إلى جانب دار بولغاري. ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، سجّل قطاع الساعات والمجوهرات لدى LVMH مبيعات تقارب 7.4 مليارات يورو، مع نمو عضوي بنسبة 1% مقارنة بالعام السابق. كما ساهمت تيفاني بنسبة 9% من هذا النمو خلال الربع الرابع من عام 2024، في وقت حقّق فيه متجرها الرئيسي في نيويورك أرقام مبيعات قياسية بعد خضوعه لعملية تجديد شاملة، عكست الرهان على المتاجر الرئيسية كمساحات تجربة وهوية، لا مجرد نقاط بيع. في المقابل، لا تخلو الصورة من التحديات. فقد شكّل الارتفاع الحاد في أسعار الذهب، التي بلغت قرابة 4,400 دولار في يناير 2026، ضغطاً مباشراً على هوامش الربح، إلى جانب تحديات هيكلية تتطلّب تعديلات مستمرة في سلاسل التوريد والتسعير. وضمن هذا السياق، اختارت تيفاني تركيز استثماراتها على المتاجر الرئيسية في العواصم الكبرى، باعتبارها نقاط ارتكاز للعلامة وقنوات فعّالة لتعزيز القيمة المدركة لدى العملاء.
استراتيجياً، تتّجه الدار نحو إعادة توازن جغرافي واضح، مع تركيز متزايد على الشرق الأوسط وآسيا، بهدف تقليص الاعتماد على الأسواق التقليدية واستقطاب شريحة جديدة من العملاء ذوي الملاءة العالية. ويتكامل هذا التوجّه مع سياسة توسّع نوعية، تعتمد على افتتاح وتجديد متاجر ذات طابع استعراضي وتجارب غامرة تعكس إرث الدار وتواكب تطلعات الجيل الجديد من المستهلكين.

وبالتوازي مع البعد الاقتصادي، تعزّز تيفاني حضورها الثقافي عبر توظيف ما يُعرف بالقوة الناعمة. ويتجلّى ذلك في تعاونها مع فيلم فرانكشتاين للمخرج غييرمو ديل تورو المعروض على منصة نيتفليكس. فقد ظهرت في العمل 27 قطعة من مجوهرات تيفاني، شملت تصاميم تاريخية وأرشيفية، إلى جانب قطع صُمّمت خصيصاً للفيلم، ما حوّل المجوهرات إلى عنصر سردي بصري يعمّق حضور العلامة في المخيال الجمعي.
ختاماً، من خلال الجمع بين قراءة واقعية للتحديات الاقتصادية، وتوسّع جغرافي مدروس، واستثمار ذكي في الثقافة والسينما، تؤكد تيفاني آند كو أنها تبني نموذج نمو متكاملاً يتجاوز منطق الأرقام وحده. إنها مقاربة تعيد تعريف الفخامة بوصفها تجربة وهوية ورواية، وتضع الدار في موقع متقدّم لمواصلة النمو المستدام في أسواق عالمية متغيّرة.
